شاطر | 
 

 العمل مع الموت القريب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حسين أحمد سليم

.·:*¨عضو مميز¨*:·..·:*¨عضو مميز¨*:·.
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 198
العمر : 65
تاريخ التسجيل : 31/03/2007

مُساهمةموضوع: العمل مع الموت القريب   الجمعة أبريل 06, 2007 9:00 am

العمل مع الموت القريب
د. مـوزة المالكي
كان من بين متطلبات بعض المقررات الدراسية؛ الحصول على ساعات عمل مع مؤسسات غير هادفة للربح، بهدف اكتساب خبرات في العلاج النفسي. وكنتُ في أمس الحاجة للحصول على 100 ساعة عمل، وكان من الطبيعي أن اختار مركزاً للعلاج النفسي يكون الأقرب إلى منزلي، فوقع الاختيار على مركز متخصص في تقديم الخدمات النفسية لمرضى السرطان الذين هم على أعتاب الموت، أو الذي بلغ بهم المرض الخبيث حداً يستعصي علاجه، وينتظرون الموت بين آونة وأخرى.
وفي الواقع إن عملاً كهذا يحمل في طياته الكثير من الحزن والألم والشعور بالفقد لرؤية الإنسان وهو يستعد للقاء حتفه، فكان ذلك أمراً بالغ الصعوبة. وكانت المعضلة هي كيف نستطيع أن نقوم بعملية العلاج النفسي دون أن تحتك مشاعرك الخاصة، بدورك الذي يتعين عليك القيام به. فالإنسان في لحظات الاستعداد الموت، تختلف مشاعره من عمر إلى عمر، وربما أن الصغار على وجه الخصوص؛ الأطفال المرضى بالسرطان الذين وصل بهم حد المرض إلى درجة خطيرة؛ لا تسطتيع مقاومة حزنك عليهم.

[/size]كان من بين الأطفال الذين التقيتهم في هذا المركز؛ طفلة صغيرة تبلغ من العمر سبع سنوات ومريضة بسرطان الدم، وقرر الأطباء لها أن تمكث بالمركز انتظارً للموت الذي سيخطفها بعد أيامٍ قلائل، وكان عليّ أن أشارك في قيادة جماعة مكونة من تلك الطفلة وعدد من الأطفال ينتظرون نفس المصير، وأن أساعدها وهي طفلة صغيرة على تقبل هذه الحقيقة، وأن تتكيف خلال الساعات الباقية من عمرها؛ مع الموت الحتمي الذي لا مناص منه.
كنت أدير معها حوارً تلو الآخر، وكان الأطباء قد قرروا أنها الأقرب إلى الموت من بين الجماعة التي كنتُ أعمل معها، نظراً لتدهور حالتها. وكانت الطفلة حينما تسأل عن ماهية الموت الذي لا تعرفه؛ أقول لها: هو أن تلتقي بربك، فكانت تحلق بعينيها: وماذا يمكنني أن أفعل معه؟ فكنت أقول لها إن الله هو الذي خلقنا، وهو الذي يأخذ أرواحنا، وهو الذي يحقق لنا آمالنا وطموحنا وأهدافنا... فكانت تدور على كل أعضاء الجماعة وتسأل كل واحدة: ماذا تودين من الله لكي أنقله إليه حينما تصعد روحي؟...
وهكذا فهمت هذه الصغيرة الموت على أنه انتقال من عالم زائل إلى عالم آخر دائم.. واستطعنا أن نصور لها الحياة على أنها رحلة نهايتها الموت؛ الذي هو بداية الحياة في عالم آخر غير عالمنا... وما أذهلني هو أن هذه الصغيرة قد استقبلت هذا التبسيط بقناعة كاملة، حتى أنها لم تهاب الموت، ولم تذرف دمعة واحدة؛ مثل ذلك النهر من الدموع الذي كنت أذرفه عليها كلما عدت إلى المنزل... كانت هذه الصغيرة على قناعة بما يصعب على الكثيرين الاقتناع به، وكانت تصدق كل كلمة أقولها لها، وقد كنت صادقة معها، لأن ما أقوله هو بالفعل نتاج إيماني بالله وقناعاتي كمسلمة. ولم يدر بمخيلتها البريئة كم أننا جميعاً حزانى عليها ونحن ننتظر الموت الذي سيأخذ روحها ويخطفها من بيننا بين لحظة وأخرى.

وماتت هذه الطفلة، ولم أستطع أن أفصل بين مشاعري كأم، وكمعالجة نفسية، فالأمومة وجدت البكاء مجالاً لتعزي الإحساس الفادح بالحزن، أما دوري كمعالجة نفسية فكان يقتضي أن ابتسم لها طول الوقت، وأن أنظر إليها وعلى وجهي ابتسامة... وهكذا بالنسبة لبقية الأطفال، كان عليّ أن أحاورهم وأجيب على أسئلتهم البسيطة، وأن أكون بجانبهم؛ وأنا أعرف إنهم بين بين وقت وآخر سيرحلون إلى مثواهم الأخير.
الدور المهني كان يقتضي أن لا أحبس الدموع، بل أن أسكبها إلى داخلي، وألا تغرورق عيناي بالعبرات حزناً على طفولة بريئة داهمها هذا المرض اللعين، وقضت بسببه نحبها؛ في براءة كاملة، وفي وداعة نفس... بل رحت أفكر كيف أن هذه الصغيرة المريضة أردات ببراءة شديدة أن تكون في خدمة الآخرين، وظنت نفسها حاملة لرسالة من حولها، وأنها سوف تحقق لهم أمانيهم ورغباتهم، أي أن الدافعية إلى الخير في هذه النفس البريئة كانت حتى اللحظة الأخيرة.
لم نخفي عليها أنها ستموت، ولكننا جعلنا للموت معنى آخر غير المعنى الرهيب الذي يخافه الجميع. لهذا كانت هذه التجربة زاخرة بالمعاني بالنسبة لي، فالإرشاد النفسي ليس فقط من أجل الحياة، ولكن لمساعدة الإنسان حتى وهو في لحظات الاحتضار. ولهذا فقد استفدت شيئاً من عملي بهذه المؤسسة، وهو أنه من الضروري أن يكون العلاج النفسي ملتصقاً بالإنسان، ليس فقط في حياته العادية، ولا في حالته النفسية، ولكن أيضاً في لحظاته الحرجة أو الأخيرة. فهذه المؤسسات؛ مؤسسات نفسية علينا الاستفادة من الفلسفة التي تقوم عليها، ذلك أن الإنسان حينما يكون في لحظات المرض الشديد، وبانتظار الموت؛ يكون بحاجة ماسة لمن يرعاه رعاية خاصة، ولمن يجعله يتسقبل الموت دون ألم، ودون أوجاع نفسية تعجل من نهايته، أو تجعله بغادر دنياه مشحوناً بكثير من الآلام.
وقد وجدت أن الفقدان صدمة كبيرة، ليس على المصاب فقط، ولكن على ذويه. ورأيت الرعب والألم الذي يعانيه الأهل وهم يرون فلذة كبدهم تذبل كالزهرة قبل أوانها، وشعورهم بالعجز يمزقهم؛ ذلك العجز الذي تعانيه النفس البشرية أمام الموت...
إنها حالات الضعف البشري أمام الأقدار.

من كتاب : رحلتي مع العلاج النفسي




د. موزة عبدالله المالكي

الدوحة - قطر

*حاصلة على ماجستير إرشاد وعلاج نفسي من جامعة لافيران بكاليفورنيا. الولايات المتحدة الأمريكية عام 1986م
* دكتوراة في العلاج الأسري والزواجي من جامعة ابرتي داندي. اسكتلندا. المملكة المتحدة عام 2002م
* أستاذ بكلية الآداب جامعلة قطر.
* تمارس الإرشاد النفسي والعلاج النفسي منذ عام 1987.
* قامت بتأسيس أول مركز لعلاج الأطفال باللعب في الخليج العربي. كما كانت أول امرأة قطرية تؤسس مكتباً للتدريب والتأهيل النفسي في قطر.
* رئيسة رابطة المرأة والأسرة الخليجية
* عضو الهلال الأحمر القطري- رئيسة البرامج والأنشطة 1992-1993
* عضو الاتحاد العالمي للصحة النفسية – نائب الرئيس لمنطقة الخليج الغربي، 1994
* رئيسة لجنة الطفولة، المجلس الإقليمي للصحة النفسية، منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط 1995
* عضو الجمعية الإسلامية العالمية للصحة النفسية – نائب الرئيس عام 1995
* عضو رابطة الأخصائيين النفسيين الأمريكية- رابطة الأخصائيين النفسيين المصرية - مركز الدراسات النفسية والجسدية بلبنان - الجمعية القطرية لرعاية وتأهيل المعاقين.
* لها عمود أسبوعي ثابت في جريدة الراية القطرية تحت عنوان "همسة ود"، بالإضافة إلى صفحة أسبوعية في علم النفس.
* تعد وتقدم وتشارك في العديد من البرامج التليفزيونية والإذاعية في قطر وبعض الدول العربية.
* نشرت دراسات ومقالات في العديد الصحف القطرية والعربية.
* شاركت في الكثير من المؤتمرات والندوات التخصصية خليجياً وعربياً ودولياً.
* أول امراة تخوض انتخابات المجلس البلدي في قطر عام 1999م.

* صدر لها:
- الأزمات النفسية العاطفية.. مشاكل وحلول : دار النهضة العربية للطباعة والنشر. بيروت 1995م
- أطفال بلا مشاكل .. زهور بلا أشواك : دار النهضة العربية للطباعة والنشر. بيروت 1996م
- عدوانية أقل (كيف تحول الغضب والعدوانية إلى أفعال إيجابية) : دار النهضة العربية للطباعة والنشر. بيروت 1996م
- رائحة الأحاسيس : المؤسسة العربية للدراسات والنشر. عمان- الأردن 1998م
- رحلتي مع العلاج النفسي : مؤسسة إنجاز للطباعة والنشر. الكويت 2001
- فتيات خليجيات ومشاكلهن العاطفية : دار النهضة العربية للطباعة والنشر. بيروت 2006م

* الجوائز والتكريم :
- رشحت لجائزة نوبل للسلام عام 2005م.
- حصلت على جائزة الدولة التشجيعية في قطر عام 2005م.
- جائزة المرأة المثالية في المجتمع القطري، جمعية بيوت الشباب، الدوحة قطر 1996م
- الجائزة السنوية لمجلس مدينة جاكسون- المسيسيببي، الولايات المتحدة الأمريكية 1996م

* البريد الإلكتروني : mozalmalki@...
* ص . ب : 6543 الدوحة / قطر



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.hasaleem.jeeran.com
 
العمل مع الموت القريب
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات عبير الإسلام :: منتديات الادبيه :: واحة الخواطر-
انتقل الى: