شاطر | 
 

 خربشات وشخبطات طفل في هلوسات الرّسم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حسين أحمد سليم

.·:*¨عضو مميز¨*:·..·:*¨عضو مميز¨*:·.


ذكر
عدد الرسائل : 198
العمر : 64
تاريخ التسجيل : 31/03/2007

مُساهمةموضوع: خربشات وشخبطات طفل في هلوسات الرّسم   الإثنين مارس 11, 2013 9:55 pm

خربشات وشخبطات طفل في هلوسات الرّسم

بقلم: حسين أحمد سليم

كان طفلا صغيرا ومُدلّلا كثيرا, كونه البكرُ لوالديه القرويين, المزارعين في الرّيف البقاعي البعلبكي... حملته أمّه كُرها على كره, رغم قساوة العيش, ووضعته كذلك كُرها على كره, رغم الحرمان, وقامت على تربيته بالعذاب والقهر والفقر والعوز... ومارست امّه الرّضاعة له من ثديها زمنا طويلا, لأكثر ممّا قسم الله له من الرّضاعة المشروعة العادلة, لشراهته وجوعه الدّائم, وكأنّ في بطنه حوتا يتلقّف الحليب الذي يرضعه, وممّا يزيد في صراخه, عدم تناوله أيّ غذاء آخر ومهما كان, حتّى حليب المواشي الطّلزج والفاتر, من ضأن وماعز وبقر, والتي كانت تُوفّره له جدّته العجوز, فقد كان يرفضه إمعانا في العناد, بحيث كان دائما يُمارس العويل والصّراخ, وفي حالات من الهيستريا والجنون والعناد, حتّى تلتفت له والدته, وتقوم على ضمّه لصدرها بحنان ورأفة ولهفة وتمارس رضاعته... وبقي على هذه الحال من الشّراهة والعويل والصّراخ والعناد, حتّى بعد أن تشقّقت لثّته, وبرزت أسنانه من لحم نيرته الطّريّ وتفتّقت في فمه, وعانى ما عانى من الألم, الذي تسبّبت به له, وصرخ ما صرخ من الوجع متأثّرا بحالات بروز ونموّ أسنانه...
تفتّح الضّوء في عينيه الصّغيرتين, على والديه وجدّيه وعمّاته, والوحدة في البيت الذي ولد فيه... ولم يلحظ حوله, إلاّ بعض الأدوات البيتيّة القديمة, سيّما التّقليديّة والتّراثيّة منها... الموقد التّرابي الدّلغاني في زاوية الغرفةالواسعة, والنّيران فيه تئجّ من الحطب السّندياني, وكان يلتفت إلى خزانة في الجدار, تسمّى: ليوك حيث تُحفظ فيها الفرش والوسائد واللحف والطّراريح والمخدّات والمساند والدّواشك والأغطية والشّراشف... وكان دائم التّحديق في شكل جرّة الماء الفخّاريّة, وإلى جانبها إبريق الفخّار, فوق طاولة خشبيّة صغيرة, وضعتها أمّه في فراغ الشّبّاك العريض الجدار, لتسرق من برودة الجوّ القروي لها برودة منعشة... وعلى الحائط كان يرى صورة جدّه, بشاربيه الكبيرين المعكوفين, وكوفيّته البيضاء المتدلّية على كتفيه, وعقاله الأسود بشراريبه اللواحة على ظهره, والصّورة معلّقة بمسمار خشبيّ... وعلى الحائط المقابل, كان يلمح الكثير من الملابس العربيّة الفلكلوريّة والأزياء القرويّة القديمة, المستخدمة من قبل جدّيه وأبويه, وغالبا ما كان يتلهّى بشراريب شملة جدّته, التي كانت تستخدمها كغطاء تقليديّ فوق رأسها, تحت قمطة سوداء تعصب جبينها... وكان مساءا يُلقى به في سرير خشبيّ صغير, فوق سطيحة البيت الشّرقيّة, ليرى من بين عناقيد العنب المتدلّية من دالية العريش, نقاطا ضوئيّة لامعة وبعيدة جدّا, تتلامع وتتوامض فوق رأسه, مشكّلة خرائط من الكوكبات, تركت أثرا في وجدانه, تقمّص فيما بعد, عندما كبر وشبّ, إبحارا في شؤون علم الفلك... وكان رغم صغره, يطرب لجرّات وتر قوس الرّبابة على الوتر السّيّب, الذي تلاعبه عفقات أنامل جدّه, بمرونة مبتدعا منها جميع النّغمات الموسيقيّة, وكان ينتعش مزهوّا, لصوت جدّته, تغنّي الدّلعونا وأبو الزّلف والميجانا والعتابا والشّروقي, بين جمع من الجيران والأقارب, يُمارسن التّصفيق الإيقاعيّ والتّرداد في الموشّحات, فيما آخرون يتمتّعون برشف القهوة العربيّة المرّة, المحلاّة بالهال والزّعفران, والمطهوّة على جمرات الفحم السّندياني, التي تتّقد في كانون أو منقل من النّحاس الأصفر اللامع, الذي يتّسع لعدد من الأوعية النّحاسيّة الخاصّة بطبخ القهوة...
وعى نفسه شيئا فشيئا, وتوالدت في طبائعه الشّراسة, التي تعلّمها من شراسة الدّجاج الهندي, حيث كان يلهو بينهاصغيرا, ونمت هذه الشّراسة مع نموّه الجسدي, إلى جانب الشّقاوة في تصرّفاته, والتي إستقاها من شقاوة صراع ديكة جدّه... لقد كان في البداية, وحيدا في كنف والديه, قبل أن يستكملا حركات فعل الإنجاب, تمسّكا بأهداب الدّين الحنيف, وإستكمالا لسنّة الحياة في التّكاثر والإستمرار, وتسابقا مع آخرين من أفراد القبيلة, الذين واللواتي يتماهين ويُفاخرن بكثرة الإنجاب والأولاد والذّرّيّة... وكثيرا ما كان يبكي لبكاء أمّه أوان حبلها, دون أن يُدرك شيئا عن لعبة الحمل والحبل, وأسباب إستدارة البطن عند أمّه, ووضعها تحت فعل العويل والصّراخ في المخاض العسير, ممّا ترك في نفسه, كرها ذاتيّا لنفسه من حيث لا يدري, وهو يُراقب والدته تضع أخوته, تحت وطأة مخاض مؤلم وصراخ وإستغاثات, وعذاب مميت...
كان في سنّ نعومة أظافره, عندما تولّع قدرا, بالخربشات الطّفوليّة على التّراب, والشّخبطات الصّبيانيّة على الجدران, فلم يكن بإمكانيّات أبويه الفقيرين, تأمين الألعاب له في مجتمع القرية الرّيفي, وكانت أمّه, لا تُجيد صناعة الألعاب من بقايا أقمشة الملبوسات البالية والمهترئة, فكان لا بُدّ له, إلاّ اللعب بالتّراب والحصى في حاكورة البيت في تلك القرية البقاعيّة المنسيّة, الواقعة ضمن شريط قرى غربي مدينة الشّمس... فقد كان جدّه يُمارس فعل التّشجيع له على الخربشات والشّخبطات, وكانت جدّته تعمل على تأمين عيدان الفحم من موقدتها بزاوية البيت, ليخربش بها فوق غباريات التّراب, ويشخبط بها على جدران البيوت والمنازل القرويّة, المحيطة بالبيت الذي يسكنه وأبويه, ولم تكن تسلم من خربشاته وشخبطاته, جدران وحوائط وزوايا البيت الدّاخليّة, وكذلك الأبواب والشّبابيك والزّجاج... وكانت أمّه تُمارس التّعنيف له بين الحين والحين, فيما كان والده يُمارس صفعه وضربه على أنامله الطّريّة حينا وعلى رقبته ورأسه حينا آخر, على عكس جدّه العجوز, الذي كان يحتضنه ويُدافع عنه, ويصطحبه معه أينما توجّه, ويضعه امامه فوق ظهر دابّته, فيما كانت جدّته, تحمله في شقبانها وتزوّده بما يحلو له من الطّيبات... وكثيرا ما كان ينقر الأرض بأصابع يديه, ويُبحبش بأصابع رجليه في التّراب, كما فعل الدّجاج الحبشي والسّندي والبرّي, وكان دائما يتماهى أمام خربشاته وشخبطاته في رغام التّراب, كما الدّيكة التي تنفلت من الخمّ الذي في وسط الحاكورة, وكان يثور شرسا كما الرّنقاء الخائفة على صيصانها, إذا ما صادف ومحى البعض شيئا من شخبطاته وخربشاته, ويُمارس القرقرة كما قرق الدّجاجة, ويستمر يُقاقي بغضب وشراسة... وكثيرا ما كان يتناول من قعر التّنّور الذي في زاوية الحاكورة, بقايا العيدان الفحميّة الصّغيرة, ويُخربش ويشخبط بها على وجهه, وفي أنحاء كثيرة من جسده النّحيل, وكان غالبا ما يقوم يجبل التّراب الأحمر والأسود والأبيض والرّماد بالماء, ليصبح طينا لزجا كما اللبن الرّائب, ويطلي وجهه به, وجوانب من بدنه, بخربشات وشخبطات, وخطوط عشوائيّة, ورسومات غريبة عجيبة...
في مدرسة القرية الرّيفيّة الأولى, ذات الغرفة الواسعة, والعالية السّقف, والكبيرة الشّبّاك والمرتفعة الباب... وفي الصّفّ الأوّل, ومع الأستاذ الأوّل, ولسعات القضيب الأوّل من أغصان شجر الرّمّان في القرية, الذي كان يهوي به الأستاذ على رأس وظهر التّلامذة, وفوق أناملهم النّاعمة, وعلى جوانبهم النّحيلة والطّريّة, وفوق الطّرّاحة الأولى المستخدمة ككرسيّ أرضيّ للتّلميذ في ذلك الوقت, ومع كرّاسة الأبجديّة الأولى, وأشكال الحروف الأولى, وأجسام الأرقام الأولى, ومع شكل الدّفتر الأوّل, ذات الأسطر المتقاطعة, لتصنع مربّعات صغيرة, ومع القلم الرّصاصي الأوّل, وقلم الكوبيا الأوّل, ومع الممحاة الشّمعيّة الأولى, ومع المبراة المعدنيّة الأولى, ومع المسطرة الخشبيّة الأولى, والورقة البيضاء الأولى... بدأ في وجدان ذلك الطفل القروي, هوس الخربشات, المتمّمة لخربشات الجدران والحوائط في القرية, وبدأت في طبائعه كذلك, حركات فعل الجنون الأولى في الشّخبطات, إستكمالا لشخبطات جدران وحوائط بيوت القرية... وراح يُمارس نفس حركات فعل البحبشات, التي كان يمارسها في غباريات تربة حاكورة البيت, ولكنهذه المرّة فوق صفحات الدّفتر الجديد, وعلى أوراق كرّاسة الحروفيات... وبدأ يمارس حركة فعل المحاكاة, لما يرى في كرّاسته الحروفيّة والرّقميّة, ويحاول رسم ما يقع نظره عليه, من حوله في البيت وفي المدرسة, وفي أزقّة القرية, وكرومها وحواكيرها, وسهولها ووعرها, وبيادرها وفضاءاتها... ولم يبرع في نهاية مرحلته التّعليميّة الأولى, إلاّ في جنون وهلوسات شخبطات وخربشات الرّسم العشوائي, تلك الخربشات والشّخبطات الأولى, كانت ومضات البدايات, لولادة فنون الرّسم وبدائع الإبتكارات في حياة وشخصيّة, فنّان تشكيلي وفنّي مبتكر وخلاّق ومن نوع آخر...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.hasaleem.jeeran.com
 
خربشات وشخبطات طفل في هلوسات الرّسم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات عبير الإسلام :: المنتديات الفنيـــــــه :: واحة التصميم والإبداع-
انتقل الى: